الغزالي

428

إحياء علوم الدين

الفصل الثاني في أسرار الصوم وشروطه الباطنة اعلم أن الصوم ثلاث درجات : صوم العموم ، وصوم الخصوص ، وصوم خصوص الخصوص أما صوم العموم : فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة كما سبق تفصيله وأما صوم الخصوص : فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام وأما صوم خصوص الخصوص : فصوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية ، وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية . ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر فيما سوى الله عز وجل واليوم الآخر ، وبالفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين ، فان ذلك من زاد الآخرة وليس من الدنيا ، حتى قال أرباب القلوب : من تحركت همته بالتصرف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه كتبت عليه خطيئة ، فان ذلك من قلة الوثوق بفضل الله عز وجل ، وقلة اليقين برزقه الموعود . وهذه رتبة الأنبياء والصديقين والمقربين . ولا يطول النظر في تفصيلها قولا ولكن في تحقيقها عملا ، فإنه إقبال بكنه الهمة على الله عز وجل ، وانصراف عن غير الله سبحانه ، وتلبس بمعنى قوله عز وجل : * ( قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ « 1 » ) * وأما صوم الخصوص وهو صوم الصالحين : فهو كف الجوارح عن الآثام . وتمامه بستة أمور الأول : غض البصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره ، وإلى كل ما يشغل القلب ويلهى عن ذكر الله عز وجل ، قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « النّظرة سهم مسموم من سهام إبليس لعنه الله فمن تركها خوفا من الله آتاه الله عزّ وجلّ إيمانا يجد حلاوته في قلبه » وروى جابر عن أنس عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] أنه قال « خمس يفطرن الصّائم : الكذب والغيبة والنّميمة واليمين الكاذبة والنّظر بشهوة »

--> « 1 » الانعام : 91